أعاد كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ملف التضخم إلى صدارة حسابات السياسة النقدية، بعدما أعرب عن قلقه من استمرار ضغوط الأسعار، فاتحاً الباب أمام إمكانية رفع أسعار الفائدة إذا لم يتحقق مزيد من التقدم في احتواء التضخم.
وخلال كلمته في الندوة السنوية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في جاكسون هول بولاية وايومنغ، تعمد وارش عدم تقديم توجيهات مستقبلية بشأن السياسة النقدية، أو إعطاء إشارات مباشرة حول نوايا المجلس، كما تجنب تحديد آلية واضحة للاستجابة، بما في ذلك المؤشرات الاقتصادية التي قد تستدعي تعديل أسعار الفائدة.
التضخم في صدارة الحسابات
أقر رئيس الاحتياطي الفيدرالي بأن مستويات التضخم لا تزال مرتفعة، مشيراً إلى أن قراءات التضخم خلال الصيف جاءت أفضل من التوقعات، لكنها لم تقدم دليلاً كافياً على تحسن ملموس في الاتجاهات الأساسية للأسعار.
وأكد أن الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى التأكد من أن التضخم الأساسي يتجه بوضوح وبسرعة كافية نحو مستهدفه، محذراً من أنه في حال عدم تحقق ذلك، سيتعين على البنك المركزي اتخاذ الإجراءات التي تدخل ضمن مسؤوليته.
وتعكس هذه التصريحات استمرار حساسية الاحتياطي الفيدرالي تجاه مسار التضخم، خصوصاً مع بقاء معدلاته أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ 2%، وهو ما يجعل أي قرار بشأن أسعار الفائدة مرتبطاً بدرجة أكبر بمدى استدامة التحسن في مؤشرات الأسعار.
اقتصاد متماسك رغم تباطؤ التوظيف
وفي المقابل، لم تقتصر رؤية وارش على المخاطر التضخمية، إذ أبدى ثقة في أداء الاقتصاد الأمريكي، واصفاً إياه بأنه «يبدو أنه قد تعزز».
وأشار، كما فعل في تصريحات سابقة، إلى المزايا التي يوفرها الذكاء الاصطناعي للاقتصاد، إلى جانب استمرار قوة إنفاق الشركات والمستهلكين. وفي سوق العمل، أقر بتباطؤ وتيرة التوظيف، لكنه ربط ذلك باستقرار المعروض من العمالة.
ويضع هذا التقييم الاقتصاد في موقف أكثر تعقيداً بالنسبة لصانعي السياسة النقدية، إذ إن استمرار قوة النشاط الاقتصادي والإنفاق قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للتركيز على التضخم، حتى مع ظهور بعض علامات التباطؤ في سوق العمل.
وارش يرفض «التوجيهات الاستباقية»
وبعيداً عن مستوى أسعار الفائدة نفسه، حمل خطاب وارش رسالة مختلفة بشأن طريقة تواصل الاحتياطي الفيدرالي مع الأسواق.
فقد استغل كلمته أمام مجموعة من صانعي السياسة في لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية والاقتصاديين والإعلاميين لعرض فلسفته في صنع القرار، مؤكداً أنه يفضل «الانضباط» على اتخاذ قرار مسبق بشأن السياسة النقدية.
وقال في كلمته المعدة مسبقاً: «أقف هنا اليوم ملتزمًا بالانضباط، لا بالقرار».
ويأتي ذلك في وقت يتعرض فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي لانتقادات بسبب تحفظه بشأن نهجه في السياسة النقدية، بينما لا يزال التضخم أعلى بكثير من المستهدف.
ويرفض وارش منذ وقت سابق استخدام التوجيهات الاستباقية كأداة لمساعدة الأسواق، معتبراً أن عليها تحليل البيانات الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي.
وفي بداية خطابه، أشار إلى ذلك بنبرة مازحة قائلاً: «يمكنكم تسميتها مخططًا… يمكنكم تسميتها خارطة طريق… لكن لا تسموها توجيهات استباقية»، واصفاً هذه الممارسة بأنها «أصبحت غير مرغوب فيها».
تغيير علاقة الفيدرالي بالأسواق
لكن الرسالة الأوسع في خطاب وارش تتجاوز مسألة التوجيه المستقبلي لأسعار الفائدة، وتمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الاحتياطي الفيدرالي والأسواق والجمهور.
وأشار إلى مرور 100 يوم على توليه المنصب، موضحاً أنه شكل خمس فرق عمل لدراسة وظائف الاحتياطي الفيدرالي المختلفة. وكان من بين المحاور الرئيسية لهذه المراجعة تقليص اعتماد الأسواق على كل كلمة تصدر عن صانعي السياسة.
ودعا إلى «احتياطي فيدرالي أكثر هدوءًا، وأكثر تركيزًا في تواصله»، مؤكداً أن البنك المركزي يؤدي دوراً أساسياً في الاقتصاد والأسواق وأن أدواته فعالة، خصوصاً في تحديد مسار أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
غير أنه حذر في الوقت نفسه من أن يتحول الاحتياطي الفيدرالي إلى محور تعتمد عليه الأسواق بشكل أساسي في تحديد قراراتها التجارية المقبلة، رغم أن المشاركين في السوق سيواصلون محاولة توقع الخطوات التالية للبنك المركزي.
غياب الإشارة التي اعتادت عليها الأسواق
ويختلف خطاب وارش عن النهج الذي اتبعه رؤساء سابقون للاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعات جاكسون هول، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى منصة لإرسال إشارات حول اتجاه أسعار الفائدة أو الإعلان عن تغييرات واسعة في إطار السياسة النقدية.
ففي اجتماع العام الماضي، ألمح الرئيس السابق جيروم باول إلى تخفيضات مرتقبة في أسعار الفائدة، وهو ما انعكس في ارتفاع حاد بأسواق الأسهم الأمريكية.
أما وارش، وخلال الفترة القصيرة التي قضاها على رأس الاحتياطي الفيدرالي، فيسعى إلى رسم مسار مختلف يعيد إلى الأذهان نهج ما قبل الأزمة المالية، عندما كانت الأسواق تتلقى إشارات أقل وضوحاً، وكان الدور الاتصالي للاحتياطي الفيدرالي أكثر محدودية.
هل يحدد وارش «قاعدة» لتحريك الفائدة؟
ومع تكيّف الأسواق مع غياب التوجيهات المستقبلية، حاول المشاركون الحصول على الأقل على إجابة بشأن العوامل التي يمكن أن تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير سياسته، إلا أن وارش تجنب حتى هذه النقطة الالتزام بمحددات واضحة.
وتناول رئيس الاحتياطي الفيدرالي بنفسه التساؤل حول ما إذا كان من الأفضل، في ظل رفض التوجيهات المستقبلية، الالتزام بآلية رد فعل واضحة أو حتى وضع قاعدة محددة لاتخاذ قرارات أسعار الفائدة.
لكنه أكد أن معرفة صانعي السياسة الاقتصادية «لا تصل إلى هذا الحد – على الأقل ليس بعد»، مشيراً إلى أن العوامل الأكثر أهمية في الإدارة السليمة للسياسة النقدية تتغير بمرور الوقت.
وقال إن هدفه خلال فترة رئاسته، بالتعاون مع زملائه، هو بناء نماذج أكثر موثوقية وقواعد أكثر متانة لتوجيه قرارات السياسة، مع إدراك أن دقة التنبؤات الاقتصادية لا تزال «مجرد طموح».
الحذر أمام اقتصاد سريع التغير
ويبدو أن تحفظ وارش لا يرتبط فقط برغبته في تقليل اعتماد الأسواق على تصريحات الفيدرالي، وإنما أيضاً بتقديره لصعوبة التنبؤ بمسار الاقتصاد في بيئة تشهد تغيرات متسارعة.
وأشار إلى التحولات السريعة في الجغرافيا السياسية وسلاسل التوريد العالمية والتكنولوجيا، معتبراً أن هذه التطورات تجعل من الحكمة التحلي بالتواضع بشأن ما يستطيع صانعو السياسة معرفته وما لا يستطيعون معرفته.
وبذلك، ترك وارش الباب مفتوحاً أمام أكثر من سيناريو للسياسة النقدية؛ فمن جهة، يشكل استمرار التضخم أعلى من المستهدف سبباً للإبقاء على تشدد السياسة أو حتى رفع الفائدة إذا لم يتحسن مسار الأسعار، بينما تمنح قوة الاقتصاد والإنفاق الاحتياطي الفيدرالي مساحة للتحرك دون ضغوط حادة ناتجة عن تدهور النشاط.
وفي المقابل، فإن تباطؤ التوظيف واستمرار تغير البيئة الاقتصادية يجعلان اتخاذ قرار مسبق بشأن مسار الفائدة أكثر صعوبة.
ولم يتطرق وارش في خطابه إلى الإعلان الأخير لوزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشأن تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية، ليبقى التركيز الأساسي في كلمته منصباً على التضخم، وحدود ما يمكن للاحتياطي الفيدرالي الالتزام به مسبقاً، وعلى إعادة رسم علاقته بالأسواق.
وعليه، فإن السؤال الذي تركه خطاب جاكسون هول مفتوحاً ليس فقط ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيرفع الفائدة، وإنما ما الذي سيعتبره وارش دليلاً كافياً على أن التضخم لا يتحرك بالسرعة المطلوبة نحو هدف 2%. فغياب التوجيه المستقبلي لا يعني غياب الاستعداد للتحرك، بل يشير إلى أن القرار سيظل مرتبطاً بالبيانات وتطورات الاقتصاد في كل مرحلة.
